السيد كمال الحيدري

9

كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)

لعلّ الخيّام بما نُسب إليه من أشعار كان أسير النظرة الأُولى ، فأنت تراه يحثّ نفسه على اغتنام ما أمكن من لذائذ هذه الدُّنيا ، بما أنّ المآل إلى فناء ، وتراه مع هذا شديد الحسرة لهذا المصير الذي يهرق جمالًا كان مهوى الأفئدة ، ويبعثر قواماً كان مبعثاً لارتياح النفوس وانفراج الأسارير فإذا به رهين ذواء وفناء . لذلك ، وانطلاقاً من نظرته هذه ، وأنّه بدن مصيره إلى العدم ، فهو لا ينفكّ يدعو إلى الرفق بالتراب ، وذلك رفقاً بأُناس كانوا هذا التراب لمّا كانوا : كلّ ذرّات هذه الأرض كانت أوجهاً كالشموس ذاتَ بهاء اجْلُ عن خدّك الغبار برفقٍ فَهْو خدٌّ لكاعب حسناء وها هو يألم لكسره كوزاً عن غفلة منه ، وعدم التفات ، وذلك لأنّه يعتقد أنّ هذا الكوز كان إنساناً مثله : كسرتُ كوزاً للطلا عن جهلِ إذْ كنت نشواناً سليبَ العقل فراح يدعو بلسان الحال مثلَك قد كنتُ وتغدو مثلي ومن حقّه وهو يعتقد هذا الاعتقاد الفاسد أن يحيا حياةً تناسبه ، فالذي يرى أنّ حياته ليست إلّا أيّاماً يقضيها في هذه الدُّنيا ، ثمّ يموت ، وينتهي كلّ شيء ، فلماذا يحرم نفسه من ملذّات وشهوات ؟ ما عشت أسْرَ الدّهر فاجهد وارتشفْ كأس الطّلا ما دمت تحمل طوقه إن كان أوّلنا وآخرنا الثّرى فاحسب كأنّك في الثرى لا فوقه